untitled

العوم… ما بين نشاز الابتعاد وموسيقى الاستعادة

٢٣ أيار ٢٠٢٦

نص لـ محمد (موْ) مصطفى

تبحث هذه المقالة التأملية في العلاقة ما بين الصوت والغربة والهوية الكويرية من خلال الذاكرة الشخصية وممارسات الاستماع. أقدّم فيها "العوم" كحالة متخيلة ومتجسّدة تشكّلت عبر التهجير والتجربة السمعية.

استيقظت في أحد الأيام أدندن لحن أغنية كنت أسمعها في صغري. لم أستطع تذكر الكلمات أو اسم الأغنية، كل ما تبادر إلى ذهني هو اسم المغني واللّحن وشريط الفيديو المشوش من نهاية الثمانينات، حيث يظهر الفنان مع مجموعة من الأصدقاء في مكان يشبه الحانة، يحمل القيثارة في يده ويغني.

بعد أسابيع من البحث عبر الإنترنت، وجدت الأغنية وأخيرًا على "يوتيوب." الاستماع لها مجددًا بعد 33 عامًا من صدورها أيقظ في داخلي شعورًا من الشوق نحو الطفولة وغياب العائلة في البلد الذي يؤويني الآن، فنلندا. غصت في ذاكرتي لاستخراج الأغاني الأخرى التي تذكرني بالحفلات التي كانت تقيمها عائلتي في زمنٍ ما قبل حرب الخليج، مع أنني كنت صغيرًا جدًا في ذلك الوقت.

ودون أن أنتبه للأمر، لاحظت أنني كلما زرت منزلنا في عمّان، كنت أحمل معي أشرطة الكاسيت في عودتي إلى هلسينكي. لم يتوقف الأمر عند الأشرطة التي كنت أجدها في المنزل، فبدأت البحث عبر المتاجر الإلكترونية عن أشرطة معينة أو أعمال أحد الفنانين الذين كنت أحبهم في صغري.

على مدى الأعوام الستة الماضية، لم أستمع لشيء سوى الأغاني العربية على أشرطة الكاسيت من عقد الثمانينات، وفي كل مرة أستمع فيها لهذه الأغنيات، أعوم في الزمن لأدرك في نهاية الأمر أنها ما عادت تجلب ذات السعادة. تقريبًا كما لو أن الذكرى ظلّت هناك والموسيقى لا زالت هي ذاتها ولكن شعوري تجاهها أصبح ضبابيًا، فتغيرت تجربتي معها وتطورت أثناء مرور الزمن بين الماضي والحاضر.

وفي وسط هذه الذكريات المتلاشية، تحوّل تركيزي نحو الأغنيات التي كثيرًا ما تتطرق كلماتها إلى مواضيع الهجرة والغربة. تأملت ما حولي وأدركت كم أنا بعيدٌ عن وطني وعائلتي وكل ما أألفه أو كنت أألفه. فأصبحت أغنيات محمد منير المصري النوبي الأساس المركزي لحالة "العوم" التي أمارسها، والتي تنقل فيها موسيقاه تجربته في الهجرة إلى القاهرة.

إحدى أغانيه التي تتكرر في رأسي هي "قول للغريب،" وهنا الغريب هو المغترب والمهاجر إلى بلد جديد. تتسم الأغنية بإيقاع هادئ ونوبي تقليدي، وتعكس الكلمات الشعور بالترحيب بك في مكان غالبًا ما ستشعر فيه بالاضطهاد بسبب خلفيتك، وهو أمر أعايشه هنا في أوروبا. المقطع التالي من الأغنية يترك أثرًا كبيرًا في نفسي بسبب المعاني التي تختبئ خلفه.

"عالم صغير بضمنا يرسم ويمحى اسمنا

نتلاقى فيه من غير ميعاد ونصير بعاد من غير بلاد"

المعنى الضمني لهذه الكلمات هو انفصال الجسد عن جذره وأصله، حيث يتخيل فيه الشخص عالمًا يحمل هذا الجسد. هذه الفكرة تظهر جليًا في تجربة الكويريين العرب، حيث يصبح الانفصال عن الوطن والبلد الجديد حالة ملازمة. من جهة فإن الاغتراب يبدأ حين يفقد الإنسان معنى الوطن، ومن جهة أخرى تبدأ الغربة لمجتمع الميم من اللحظة التي ينفصلون فيها عن بلدهم الأم في محاولة للاندماج في البلد المُضيف.

التنقل الدائم يغيّر من هوية الفرد، لأنه يتعارض مع ما يألفه الجسد بل ويتحداه حتى يتبنى هوية جديدة. أما في حالتي، ربيت بين الحروب وهاجرتُ من الكويت إلى عمّان، والدي فلسطيني مهجّر، وأعيش الآن في هيلسنكي. عبر هذه التغيرات الجغرافية، تغيرت ذاكرة الصوت لدي وتطورت عبر تراكم التجارب الجسدية. فالذي كان يومًا ما صوتًا للفرح أصبح صوتًا للغربة، صوتًا للحنين إلى الذات.

سألت نفسي: "ما هو الصوت الذي يلامس روحي حقًا؟" ما هي الأصوات المحيطة التي جمعها جسدي الكويري من الهجرة والتهجير عبر الزمن؟ هذه ليست أصواتًا محايدة، بل لها دلائل اجتماعية وتحمل التوقعات والعنف.

في أثناء محاولتي لفهم هويتي العربية والكويرية المغتربة عن طريق الصوت، وجدت بأن الاستماع لا يكون أبدًا مجرد استماع، بل يتأثر ويتشكل عن طريق اللغة والشارع، ومن يُسمح له بالحديث ومن يُرغم على الصمت. في اللغة العربية، قد تصبح اللغة بحد ذاتها موقعًا للإقصاء. فبعض الكلمات المستخدمة للتعبير عن الكويرية تحمل دلالات على العنف والعار والاستهزاء. فيصبح الجسد الكويري هو الغريب والخارج. ولكن في وسط هذه العداوة يجد الكويريون العرب مجالًا لابتكار المفاهيم الجديدة بشكلٍ دائم، وتغيير النبرة ببراعة، واستخدام الكلام المشفر؛ تلك كلّها ملاجئ صغيرة مركّبة من الصوت بإمكانهم الانتماء لها.

المدن أيضًا تتحدث. عمّان صاخبة مقارنة بهلسنكي، ليس من ناحية الصوت فحسب، بل من حيث الكثافة أيضًا. زمامير السيارات، والحوارات الكثيرة المتداخلة، وضجيج البناء، والموسيقى المتسللة من المحلات، هذه الأصوات كلها تتراكم لتشكل ضغطًا مستمرًا. وفي وسط هذه الضوضاء، تختفي بعض الأصوات. لا مساحة للرقة والإبهام والذبذبات الهشة للتعابير الكويرية. وهكذا تبدأ الأجساد الكويرية التنقيب عن مساحاتها السمعية الخاصة عبر الحميمية، عبر الانسحاب، عبر الإنصات الانتقائي.

إذًا فالصوت ليس مجرد شيء نسمعه، بل هو شيء يعيد ترتيبنا. "براندون لابيل" يرى أن الصوت قادرٌ على تشكيل الطريقة التي نقيم فيها بالمساحات، ونفهم الآخرين، ونفهم أنفسنا. بناءً على ذلك، أتعامل مع الاستماع كوسيلة للتفاوض مع التهجير. يرسم "لابيل" تطوّر بنية الصوت في المساحات الاجتماعية، أما محط اهتمامي الآن فيتركز على الطريقة التي يتغير فيها هذا الشكل مع الجغرافيات المتزعزعة، حيث يصبح الاستماع فعلًا سياسيًا متشابكًا مع التهجير والخوف والرغبة.

يصبح الاستماع مع عدم الاستقرار فعلًا للنجاة، حيث يتفاوض جسدي مع ذاته باستمرار. بين ما أسمعه وكيف أرد، وبين ما أكتمه وما أسمح له بأن يخرج. الجندر والصوت والنبرة هي أمور غير ثابتة، بل عبارة عن أدوارٍ تُؤدّى وتتعدّل ويُعاد معايرتها بناءً على الأحوال الصوتية المحيطة. بهذه الطريقة، هويتي الكويرية في الشتات لا تُرى فحسب، بل وتُسمع ويساء سمعها، وأحيانًا يتم إسكاتها قصدًا.

بشكل مشابه، فإن مفهوم "باري ترو" عن التواصل الصوتي يركز على الطريقة التي يحمل فيها الصوت المعنى عبر السياق. لا ينفصل المسموع عن مكان سماعه أبدًا. وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين المشهد الصوتي والهجرة والهوية الكويرية تكشف مساحة من التوتر الذي تشكله التجربة الحسية. تتوسط هذه التجربة المشاعر والذاكرة والظروف التي يحدث الاستماع من خلالها. وهكذا يصبح الصوت تفاوضًا مستمرًا بين الألفة والغربة.

لأنني أعيش في بلد مضيف، أجد نفسي أعود إلى الأصوات المحيطة لبلدي الأم: ملمس الشارع، وإيقاع اللهجات المحكية، ونغمة التفاعلات اليومية، الموسيقى التي أحاطت بي يومًا ما. هذه الأصوات أصبحت المادة التي يحاول فيها جسدي الإيصال بين المسافة الزمنية والمكانية. وفي فعل العودة هذا، يصبح الإنصات وسيلة للتثبيت ومحاولة لترسيخ جسد لن يكون غير ذلك إلا معلقًا بين سياقات متعددة .

وفي هذا الإطار، يمكن للأصوات المحيطة أن تعمل كأداة للاضطهاد. في السياقات التي يتم تنظيم أو إسكات الوجود الكويري، يصبح الصوت أداة خافتة ولكن مستمرة لتأكيد الحضور. فتسمح لظهور سرديات بديلة تقاوم البنيات المهيمنة دون مواجهتها مباشرةً بالضرورة. إلا أن هذه المقاومة لا تكون آمنة دائمًا، فتظل مربوطة بأنظمة تستمر في تهميشها لأجل كبتها. وفي داخل هذه المساحة الصوتية غير المستقرة أبدأ بفهم الحالة التي أصفها بـ"العوم".

"العوم" حالة شتات وكويرية معلّقة، حيث يكون الجسد بين الذاكرة والزمن الحاضر، بين اللغة وخسارتها، بين البيت وغيابه. وتصف مساحة حيث يتشابك نشاز الانفصال مع موسيقى الاستعادة، ويصبح الصوت المرساة والانجراف في ذات الوقت.

في أثناء العملية والممارسة، يصف "العوم" فعل إعادة تركيب سرديات الشتات عن طريق الصوت، حيث تتشكل الكويرية والموضوعية ضمن منظومة عدم الاستقرار. بعد 16 عامًا من العيش في فنلندا، لاحظت أن تواصلي اقتصر على لغتين فقط: الفنلندية والإنجليزية، وهما لغتان غريبتان علي. نادرًا ما أتحدث لغتي الأم، اللغة العربية، حتى أنني عجزت عن كتابة نص كامل باللغة العربية في إحدى الفترات. شعرت حينها بأنني غريب عن كلا المجتمعين، وأنني لا أستطيع إيجاد الرابط مع أيهما، البلد المضيف ووطني الأم. شعرت بأنه لا توجد أرض ثابتة تحت قدماي وأنني أعوم وأطفو في الزمن.

وعبر نظرية "العوم" والعادة المفاجئة التي اكتسبتها بالاستماع لأشرطة الكاسيت، أدركت بأن هذه الأشرطة لا ترتبط لدي فقط بحنين الطفولة والذكريات، بل إنها متجذرة كذلك بالهجرة ومفهوم الهوية. أصبحت الأشرطة أداة صوتية أستطيع من خلالها الوصول إلى مكان لا أعيش فيه الآن، مرساة لجسدي العائم، فيصبح الاستماع بمثابة وسيلة تذكرني بالزمن الذي يعوم فيه جسدي المغترب.

المراجع

- LaBelle, Acoustic Territories (2019)

- Truax, Acoustic Communication (1984)