
نص لـ جمانة عزّام
أنا منقسمة لشظايا بالآلاف
تتعثر الكلمة بالصمت، تتعرّج ملقوفة بين فاهين وتسترسل طريقها من وَجد إلى آخر لتعيش حريّة النطق في تخريف الصداقة. هذه الكلمة القديمة الآسرة، شبكة تجمع وتفرِّق القلوب. لعلّ الصديق هو قريب لم يولد من دم مأسور في دورات التكاثر، إنما من دم الكلام الذي يصوغ كل علاقة، لتكون ملجأً للإنسان في أخيه. باعتبار الصداقة تختزن ذكرى الكلمة، ومعنى لطيف لم تدنّسه يد الاستبداد التي حوّلت اللغة إلى مشروع سَلب: تسلب الإنسان حقّه في الكلام ونصيبه من الكلمة الحقّ التي ينشُد بها الحب؛ إنّ كلمة الصداقة هي كلمة تطمح لأن تكون بريئة من القوّة - تتوتّر تحت «اسم طاهر وجوهر قدسي مقعده الحق هو المساواة.»
كنتُ أتخيل أنّ كلمة الكتاب من هذه الطبيعة: فهو يعيش رهناً لامتداد الكلمة في زمن متقطع يفرض عليه ضغوطات عمل الصداقة. فالكتاب يمثّل أواصر متعددة بين النصوص التي شكّلت «كلمته الواحدة»، «كلمته الحق» بمعنى «أخلاقه». لأنّ وظيفة الأدب أن يستنفذ الحدود الممكنة التي تشكّلت على أطرافها الكلمات، وبذلك فهو يرفض الانغلاق باسم السلطة.
«إنّ عمل الطِّرس هو في الأساس عمل يرتاب في الأمل. إنه مجموع الكلام الذي يُبلسِم الرّعب. إنه لا يشتّت الانتباه، ولا يَعِد، ولا يُحقِّر، ولا يعظِّم. إنّ الطرس هو جهد أفراد يرصُّون طبقات من الاستعارات فوق الرعب.»
إنني أنصتُ السّمع «في هذا الذهن المتوثّب»، أبتدع طِرساً تتغذّى منه كلماتي وتلبس إرادتها في الخيال. لا يوجد حدود للّغة، هذا الأمر يرهقني. لأنّ الجسم ممدود إلى الأفق، مقسوم ومقطّع لاستهلاك صوته في ارتياب الأمل. هذه الصحراء الكامنة في أقصى جهات العقول. الكوّة بين الأصابع، الفجوة تحت الذراعين، وفتحة الأنف الكبيرة. كل مدخل ومخرج نحو كبد ينبض بالحياة؛ كلمات لا سبيل لها سوى أن تتحرك في الفِكر الساهر على تقسيم الليل، وتبادل الأسرار بين الأصدقاء. هؤلاء الرواة الجدّات قد تجمّعنَ حول موضوع مثل هيدافنة أو حبّ رمّان. هذا هو عمل الطِّرس اللطيف في لمسه للغَيب، الكلام الذي أصبح مكاناً عاماً: «أنا منقسمة لشظايا بالآلاف». فإنّ الخرّافية كالبذرة الرطبة ترفض أن تتخلى عن اللعاب الذي تمتزج به، لتلقّي الطِّرس من سرّ الأكباد.
والخفوِ والوميض
نلاحظ في سجع الكُهّان والكواهن انتقالاً تدريجياً في طِرس الغيب من حالة الخفاء إلى سطح أكثر شفافية، تتكاثر عليه الأسئلة في تأويل رؤيا النص الغيبي باعتبار أنّ الكاهن شاهد على حضرة إرادات البرزخ. ليبدأ الانقشاع: «برَحَ الخفاء» منذ وميض الأسئلة الأولى: «بَيِّـنْ» «فما عندك في تأويلها؟» «فبيّني مقالكِ» «ومتى يكونُ ذلك» «وما ذلك». وقد كان الكشف عن المستور يتحرّك عن طريق تحزير المادة - تحويلها إلى سؤال يُختَبَر فيه صدق الكاهن: «ما خبيئي؟»، ينتقل السائل بعدها إلى سؤال النسب: «فمن أنا؟» أو «ما اسمي؟». وفي اختبار الكاهن سَواد بن قارب، سأله القاصدون عمّا رأوه في طريقهم إليه، فأجابهم: «والنّاظرُ من حيث لا يُرى، والسّامعُ قبل أن يُناجَى، والعالِمُ بما لا يُدرَى.» ومنه كانت تسمية الجنّ التابع بـ«النجيّ»، يناجي السّمْع، والتمسّك به كمصدر غيبي في تشريع القانون: «بيّني لي؛ فإنّي رأيتُ في علمكِ نجاتي» «بيّني لي النجاة».
وأنَّا لمَسْنا السّماءَ
«كان إذا قضى في خلقه أمراً، سمعه حمَلة العرش، فسبّحوا، فسبّح مَن تحتهم؛ فسبّح لتسبيحهم مَن تحت ذلك، فلا يزال التّسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيسبّحوا، ثم يقول بعضهم لبعض: ممّ سبّحتم؟ فيقولون: سبّح مَن فوقنا فسبّحنا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فَوقكم: ممّ سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيُقال لهم: ممّ سبحتم؟ فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا.»
وفي كلّ تسبيح يُستعاد تمثيل هذه الحركة الثاقبة: صدع السّماء المشقوقة باسم الله. فلا يتمّ فعل السّمع إلا بانشقاق السماء ونزول الأثر من أعلى إلى أسفل، ثم صعوده نحو السماء في مِعراج السمع. هكذا يرتحل السؤال: «ممّ سبّحتم؟» والسؤال هو وليد البريّة كالعشب الذي ترعاه الدّواب والإنسان. وهو الزمن الذي يرتدّ مراراً بين السماء والأرض «للأمر الذي كان، فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدّثوا به.» وهكذا كان التّسبيحُ تنزيلاً لأثر السّمع؛ فانفلشت دائرة الخبر في الفضاء ما بين السّموات والأرض، بحركة الصعود والهبوط، سؤالاً تردّد فيه كلّ شيء: «وإنّ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بحَمْده». ومنه كان الانتقال من السِّباحة: «في كُلِّ فُلْكٍ يَسْبَحُون» إلى التَّسبيح. ولكن يبقى أصل التّسبيح مرتبطاً بالعلاقة المُضمَرة بين حجب السمع عن الشياطين وذاكرة النص المُنَزَّل - أي ظهور القراءة في القلب: «فكأنّما كُتِبَت في قلبي كتاباً» مكتوبا في هذا الطِّرس المحجوب عن سمع الشياطين: «وَإِذَا قَرَأتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وبَين الّذِينَ لا يُؤْمنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً».
في هذه الدائرة الواسعة من حجب السّمْع: «وَأنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَداً» يُقرأ القرآن الكريم. وفي كلّ قراءة تُسبِّح الكتاب يهبط السّمع من سماء إلى سماء، ثم يصعد السؤال ويهبط الخبر اليقين الذي حُجِبَ عن سَمْع الجنّ: «فلمّا سمعت الجنّ القرآن عرفت أنها إنما مُنِعت من السمع قبل ذلك؛ لئلا يُشْكِلَ الوحيُ بشيءٍ من خبر السماء، فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه؛ لوقوع الحجّة، وقَطع الشُّبهة.»
ولم تكن الإصابة والخطأ في الخبر إلا من حديث الإنسان وكلامه؛ فإنّ القول مَبعثٌ للخلاف والتشتّت. ولمّا كان سمعُ الشياطين مُسترَقاً من إيحاء الناس وأحاديثهم، كانت الكهانةُ عمل التخمين والتكهّن بأخبار السّمع، فافتتنوا فيما بينهم على مضمونه: «فيهبط به الخبر.. فيتحدّثوا به، فتسترقه الشياطين بالسمع، على توهّمٍ واختلاف، ثمّ يأتوا به الكُهّان من أهل الأرض، فيُحدّثوهم به، فيخطئون ويصيبون، فيتحدّث به الكُهّان، فيصيبون بعضاً ويخطئون بعضاً، ثم إن الله عزّ وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يُقذَفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة.»
وقيل: «والذي انقطع اليوم، وإلى يوم القيامة، أن تدرك الشياطين ما كانت تدركه في الجاهلية الجهلاء، وعند تمكّنها من سماع أخبار السماء، وما يوجد اليوم من كلام الجنّ على ألسنة المجانين إنّما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض، مما لا نراه نحن كسرقة سارق، أو خبيئة في مكان مخفي، أو نحو ذلك، وإن أخبروا بما سيكون كان تخرُّصاً وتظنِّياً، فيصيبون قليلاً، ويخطئون كثيراً. وذلك القليل الذين يصيبون هو ما يتكلّم به الملائكة في العَنان، فيُطرَدون بالنجوم، فيضيفون إلى الكلمة الواحدة أكثر من مائة كذبة.»
فإني لا أبالي بكون السّلم عرشاً أو نعشاً
ربّما لا يوجد طِرس سميك بما فيه الكفاية ليحجب عن الإنسان قوّة الإرادة، لكي يمنع عنه حضرة الخيال من جديد ودوماً، مهما زاد سمك الطّرس. فلقد رأيتُ في إحدى الحكايا راوياً قد صعدَ على ظهر شيطان يشبه الخنزير وله عرف طويل مسترسل يخرج من قفاه ويمتدّ حتى قبّة رأسه. هذا المكان الأشعث سيصبح مَقعد سمع، لمّا يطلب الشيطان من الراوي أن يصعد معه إلى السّماء لاستراق السمع والتنصّت على الملائكة: «فأتاني يوماً فقال: إنه ممن يسترق السّمْعَ، وإن استراق السمع بيننا نوب، وإنّ نوبتي الليلة فهل لك أن تجيء معنا؟ قلتُ: نعم. فلما أمسى أتاني فحملني على ظهره فإذا له مَعرَفةٌ كمَعرَفة الخنزير، فقال لي: استمسِك فإنك ترى أموراً وأهوالاً فلا تفارقْني فتهلك. قال: ثم عرَجوا حتى لصقوا بالسماء.»
هكذا يصل الراوي إلى الحد الفاصل بين السماء والأرض في محاولة الاقتراب من الغيب. ولكنّ الشيطان محجوب مرمي بشهاب الكلمة وتسبيحها؛ إنه حيوان جريح تسقط أذنه في الفضاء من أعلى إلى أسفل لتتحطّم كلماته على الأرض: «قال: فسمعتُ قائلاً يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون. قال: فَلُبِجَ بهم فوقعوا من وراء الغمَرات في غياضٍ وشجر. قال: وحفظت الكلمات، فلمّا أن أصبحتُ أتيت أهلي، فكان إذا جاء قلتُهنّ فيضطرب حتى يخرج من كوّة البيت، فلم أزل أقولُهنّ حتى انقطع.»
«أصـــــــابهُ إصـــــــابهُ
أحرقــــــهُ شهــــــــــابه
تقطّـــعــــت حبـــــــالهُ
وغُــيِّــــرَت أحــــــوالهُ»
إنّ الحكاية تهدف إلى المحو، ولكنها تُقدّم لنا ما تحاول محوه، أي أنها «تتظاهر بالامّحاء» بينما هي تعمل في مجال المتعة: تستمتع بالتخريف. إنني أحاول تهجّي خطوط تلمع فوق رأسي كالشهب. أحاول الاستماع إلى الراوي الذي صعد على ظهر شيطانه لاستراق السمع فَلُبِجَ بهم فوقعوا من وراء الغمَرات لمّا قُذِفوا بالتّسبيح كالشهاب الرَّصْد:
«وَأنَّا لمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسَاً شَدِيداً وَشُهُباً»
لقد تكسّرت عظام الشيطان على الأرض وبقي الراوي شاهداً على علاقات القوّة. يمكننا تخيّل السلطة هنا تحوم حول مقاعد السّمْع، لكي تُراقب طبيعة الخيال وتمارس عليه بقوّة الكتابة، عملَ الحَجْب/حراسة السماء.
وفي أحد الفارياقيّات (حكايات الشّدياق) كان قد «نُصِبَ لأحد الخطباء سلّم عالٍ يشتمل على مئة درجة ليصعد إليه ويخطب القومَ من أعلاه.» وكلّما ارتقى خطيبنا إلى عرشه المنصوب ازداد كبرياؤه فأخذ الحاضرون بالاستهزاء منه والرحيل، ولم يصل إلى الدرجة المئة حتى كان الجميع قد رحلوا فصار وحيداً. وظنّ أنه باقترابه من الله وملائكته كان قد تطهّر من قذارة الأرض فقال: «ألّفتُ خطبتي وجمعتُ لها القوم، وها هم قد تولّوا وبقيت الخطبة معي. فما لي لا أتلوها جَهراً في هذا الموضع الشريف المترفّع عن نجاسات الأرض وقذرها. فإن لم يسمعوها هم يسمعها الله وملائكته. فإنه يُقال كلما بَعُدَ الإنسان عن الأرض زاد تقرّبه إلى السماء.» ولكن من حسن حظّ الخطيب ولكي تُضبَط نفسه، كان أحد الشعراء مارقاً بالصدفة من تحته وسمعه يلقي خطبةً دون مستمعين فاستعجب من جنونه وقال: «من أطلع هذا المجنون إلى رأس هذا السلّم؟ وأين أخوته الذين يخاطبهم أم عساه يكلّم الجنّ في الهواء!» ثم قطع الشاعر أطناب السلم فسقط الخطيب إلى الأرض ليتحطم هو والشاعر فوق بعضهما. يبدو أنّ الشاعر معه حقّ في استهبال هذا المجنون الذي يخطب في الخواء. ولكن، أليست هذه هي خطبة الكاتب؟ أمامنا كومة من الأصوات المتداخلة، فهل نستطيع أن ننصت السّمْع إلى الحكاية؟
(أخصّ بالشكر الأصدقاء رغد رصرص، هناء صفوت، وسنابل عبد الرحمن.)