
يستعيد توم وينغفيلد، في مسرحية "تماثيل الوحوش الزجاجية" لـتينيسي ويليامز، ذاكرته عن أبيه: ذلك الرجل المولع بالمسافات البعيدة، الذي رحل وترك خلفه كل شيء—العائلة، والبيت، وحتى الذاكرة. لم يصلهم منه سوى صورة مرفقة برسالة من كلمتين: "مرحبًا، وداعًا"، وبلا عنوان.
في اقتباس أسامة غنم لهذه المسرحية بعنوان "زجاج" (2015)، يتحوّل توم إلى يوسف، وتتبدّل الرسالة إلى عبارة أخرى: "ذاكرة… للنسيان". أستعيد هذا المشهد بوضوح؛ كنت في سنتي الأولى في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق عام 2015. كانت البلاد تحترق، ونحن نتابع حكاية شاب يحترق مع مدينته. يومها سألت نفسي: أيّ ذاكرة يجب أن تُنسى؟ كنت في الثامنة عشرة، واعتقدت أن "ذاكرة للنسيان" هي ذاكرة الحرب التي نعيشها. أتذكّر كيف بكيت طويلًا حين كان يوسف/توم، في نهاية العرض، يبوح وهو تائه في الفراغ، مستحضرًا أخته، ومتوسّلًا إليها أن تطفئ شموعها.
منذ طفولتي، تتملكني رغبة غامضة ودائمة في البكاء. كنت أختلق لنفسي سيناريوهات كاملة فقط لأبكي، وأجبر عينيّ على الدموع، كأنني أبحث عن طريقة أخرى لرؤية العالم—رؤية مموّهة، أكثر احتمالًا. لم أكن أحب أن أمسح دموعي، لأنني كنت أؤمن، بأن البكاء حالة يجب أن تستمر.
لعلّ أوضح مشهد عالق في ذاكرتي عن البكاء يعود إلى القصف الإسرائيلي على غزة عام 2008. أتذكّر نفسي أحدّق في صور الأطفال بعينين مبللتين، قبل أن أنهض فجأة، أدفن رأسي في الوسادة، وأبكي بعنف حتى مُزقت أجزاء من عيوني ونصف حنجرتي وبقعة من روحي. لم أبكِ بهذه القسوة مرة أخرى إلا بعد ثلاثة عشر عامًا، حين عرفت أنني شُفيت من السرطان—دون أن أفهم تمامًا ما الذي يجمع بين الحدثين… هذه ذاكرة يجب أن تنسى… ربما.
"ذاكرة للنسيان" هو كتاب لـمحمود درويش، كتبه عام 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي لـبيروت. يسجّل فيه يوميات بلغة شعرية حميمية، حيث يتداخل الفردي بالجماعي: رائحة القهوة، معنى أن تكون حيًا، حضور الغزاة والأبطال، بحر يُقصف، وسماء تُنتهك.
في مستهل الكتاب، يكتب:الزمان: بيروتالمكان: يوم من آب 1982

أستعير هذه البداية، وأعيد كتابتها لأبدأ من الذاكرة إلى الذاكرة:الزمان: بيروتالمكان: يوم من نيسان 2026
بعد أكثر من حرب، وبعد أكثر من شهر على عودة الحرب إلى لبنان—الحرب التي لم تتوقف— صرت كحال الملايين أختبئ وراء شاشة هاتفي. أراقب العالم من مستطيل صغير، تتنقّل فيه أفكاري ومشاعري بين فضاءات متناقضة: عجز، حزن، حماس، وغضب. في المقابل، يبقى جسدي ثابتًا، هامدًا، ممدّدًا بلا حراك في شقتي الصغيرة. أنام كثيرًا، وأمضي وقتًا أطول على الشاشة، حتى فقدت إحساسي بتعاقب الأيام. لم يعد الزمن وحدات منفصلة، بل كتلة واحدة ممتدة، يومًا طويلًا لا ينتهي—ولا أنتظر له أن ينتهي. هي، بلا شك، حالة اكتئاب؛ سواد كثيف يثقل الجسد، ويختزل الحياة في وعيٍ محاصر، يعيد تركيب واقع افتراضي من تفاصيل عالمٍ يزداد قبحًا.
ومع ذلك، ما أعيشه لا يكاد يُذكر أمام ما يحدث. لستُ أنا المهم في ظل موتٍ عشوائي، ولا في مواجهة هذا القدر من الظلم الذي يكشف عفن العالم الحديث وتصدّعه—أو لعلّه الإحساس الذي أحاول الإمساك به في كتاباتي. في قصصي وخيالاتي، حيث ينتهي كل شيء دائمًا بانهيار العالم، بخسارة الأبطال، بصمتٍ ممتدّ لآلاف السنين. سكونٌ يشبه، إلى حدٍّ بعيد، حالة جسدي الآن.
لكن ذلك اليوم كان جحيميًا. اشتعلت المدينة بلا إنذارات، بلا أهداف واضحة. صحونا على أصوات القصف، وعلى رسائل الأهل التي تسأل: "هل أنت بخير؟" فيما تعني في العمق: "هل ما زلت حيًا؟". بدت وجوه المذيعين مرتبكة، كأنها تعجز عن فهم كيف يستمر هذا العنف رغم الحديث عن هدنة بين القوى الكبرى. كأن العالم كله يهمس: "هذا الاحتراق لا يمكن إيقافه." الحرب الكبرى قد تتوقف، أما هنا فلا شيء يتوقف. هذا ما كانت تقوله العيون، والرسائل، وأحاديثنا المرتجفة: "ابقوا في بيوتكم، انتبهوا، طمنونا."
تتكثّف كل هذه التفاصيل في سؤال واحد: "هل أنا حي؟" كنت أجيب: "أنا بخير." لكن السؤال الحقيقي ظلّ معلّقًا: "هل أنا حيّ فعلًا؟" السؤال ذاته الذي يطرحه محمود درويش في بيروت عام 1982. بينما كانت المدينة تُقصف، كان العالم مستمرًا كأن شيئًا لم يحدث. يومها كان هناك كأس عالم، واليوم أيضًا يستعد العالم لبطولة جديدة. لا شيء يتوقّف، والصور تتكرّر: أناس يفقدون أحبّاءهم، يتبرّعون بالدم، يطلقون النداءات. وكأن هذه البلاد تُترك دائمًا وحدها، في مواجهة وحشية غزاة لا يملكون حتى سردية مقنعة لحربهم—غزاة لا يُثبتون وجودهم إلا عبر القتل.
سؤال "هل أنا حي؟" يقودني إلى أسئلة أخرى أكثر إلحاحًا: لماذا أكتب؟ ولمن؟ وما الجدوى من كل شيء؟ كأن قلبي يأكل نفسه، وذاتي تنقلب على ذاتي، وعيوني بيضاء ما تراه رماديًا فقط.
ربما أكتب لأذكّر نفسي بحقيقة بسيطة تُشوَّه عمدًا: لا يوجد شعب يحب الموت. ترويج هذه الفكرة ليس سوى محاولة بائسة لإراحة الضمائر. فالمقاومة، في جوهرها، هي فعل حياتي بحت، هي رفض واضح وصريح لقباحة الموت، وحتى القبول القسري بالموت العشوائي لا يعني الإيمان به، بل هو محاولة يائسة للبقاء، للاستمرار، للمقاومة—بمعناها الإنساني العاري.
أكتب لأرسّخ في ذاكرتي أن من يحبّون الموت حقًا هم القتلة، وأن الطغاة هم من يستخدمونه أداةً لتثبيت شرعيتهم: شرعية القمع والعنف.
وأكتب لأكرّر، بإلحاح يكاد يكون طقسيًا، ما يبدو ضروريًا الآن وهنا: أن وجود المقاومة، بكل أشكالها، ضرورة؛ وأن الحرب الإعلامية ضرورة؛ وأن التوثيق ضرورة؛ وأن الكلام والتعبير ضرورة؛ وأن المقاطعة ضرورة؛ وأن البكاء، والحزن، والغضب، والصراخ—كلّها ضرورات لا تقلّ أهمية عن أي فعل آخر.
أكتب أيضًا لأقول: إن المقاومة ليست حكرًا على أيديولوجية بعينها، واحتكارها ما هي إلا فعل من أفعال الموت الذي نرفض، وأن ما يحدث يتجاوز استهداف شكل محدّد من المقاومة. فاسرائيل تقوم بقتلٍ متعمّدٍ للأطفال، واستهدافٍ للصحفيين، وقصفٍ لسيارات الإسعاف، وضربٍ للمستشفيات، وتهجيرٍ قسريٍ للناس من بيوتهم. واقعٌ كامل يُستهدف، لا مجرّد خطاب أو سلاح.
أكتب لأن الحرية، في معناها العميق، تبدو أجمل من سلامٍ يُفرض بالقوة. أكتب لأقول إننا لا نحب الموت، وإن استمرار المقاومة ليس إلا تعبيرًا عن تعلّقنا بالحياة.
لكن، هل يكفي هذا؟
حين يسأل محمود درويش: "هل أنا حي؟"، يستدعي رائحة القهوة. يطلب هدنة قصيرة—خمس دقائق فقط—ليُعدّ فنجانًا منها. يومها، سألت نفسي: ما الرائحة التي يمكن أن تقول لي إنني حي؟ لم أجد سوى رائحة البارود، والغبار، ودخان السجائر، وويسكي رخيص. لم أبحث طويلًا، لكنني أعرف أن للقهوة معنى آخر داخلي: تعني دمشق، أمي، البدايات.
ومع ذلك، لم أُعد قهوتي، رغم امتلاكي تلك الدقائق الخمس التي طلبها درويش. بدلًا من ذلك، فتحت الإنترنت. شاهدت رجلًا يجلس أمام منزله المهدّم، يحبس دموعه ويقول: "أولادي تحت الأنقاض، لا أعرف عنهم شيئًا." أخرج جواز سفر ابنته، وأضاف: "هذا كل ما استطعت إنقاذه." كان انهياره كاملًا. وتذكّرت الرجل في اللاذقية حين اقتلعوا الغزاة قلب ابنه أمامه فأعطوه إياه.
لعلّه هو البحّار القديم، هو الذي كان "عرقه خبز وياسمين" وأصبح طعم المدينة لديه ولدينا "طعم نار ودخان."
يتأمّل محمود درويش في ذاكرته أولئك الشبّان الذين وُلدوا هنا، لكنهم ليسوا "من هنا" ولا "من هناك." أولئك الذين تعلّقوا برائحة البلاد رغم كل شيء، ورفضوا تصديق حتمية الهزيمة، فاندفعوا نحو الموت، فيما يمضي الغزاة في مشروعهم لإفراغ البلاد.
لكن البلاد لا يمكن لها أن تُفرَّغ. لعلّ ما نحتاجه هو أن نبتعد قليلًا عن السرديات الجاهزة، لنرى صراعاتنا كما هي: بأسئلة الحرب والسلم، بالمقاومة والانقسام، بالتناقضات التي لا تُحلّ بسهولة. والعفن الذي غرقنا به، الذي يقوّي من سردية الاحتلال لدرجة أصبح الموقف منه إشكاليًا وليس بالسهولة إعلان الرفض لإسرائيل دون أن نقع في خطاب ما، الرفض الواجب لكل الطغاة الذي يجب أن يُبنى على فهم—قبل كل شيء—ما يريده الطغاة: يريدون المستحيل، ويسعون إلى تحقيقه بفعل المستحيل، ولذلك فهم في جوهر وجودهم دعاة خراب واحتراق، قادرون دائمًا على إنتاج الفاجعة وتوسيعها إلى ما لا نهاية.
البلاد هي ناسها. ناسٌ لم يعد لديهم ماء لغسل موتاهم، فصار الموتى يُغسلون بدمهم—كما كتب درويش يومًا. وربما هذا ما علينا أن نبحث عنه اليوم: أن نجد ماءً لنغسل موتانا، وخيمةً لنقيم جنازة، ومساحةً نحزن فيها—بغضب، وأن نفهم، أخيرًا، ماذا يريد الغزاة.
…
أتذكر سؤال عمر أميرلاي لسعد الله ونوس في فيلم "هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء": "يظهر سعد، رح نموت يومًا ما وفينا هالعلة يلي اسمها اسرائيل؟"
يجيبه سعد الله متنهداً: "على الأقل بالنسبة لي شخصياً… من المؤكد أن هذا سيحدث… وقلت لك أنا ضد تسويق التفاؤل الكاذب… وإني أعتقد أيضًا أن جيلنا كله سيمضي إلى مثواه الأخير وفي رأسه تلوح هذه الخفقة السوداء… الشبيهة بعلامة… هي بالضبط علامة العمر الذي عاشه… علامة الخيبة التي تذوّق مرارتها على مدّ عمره… لأن اسرائيل ستكون باقيةً حين يذهب جيلنا إلى نهايته. وطبعًا هناك أشياء كثيرة يا عمر كان يمكن أن يتحدث عنها المرء."
ومع ذلك، كان ونوس نفسه يرى، بقراءة متأنية للتاريخ، أن هذه الكينونة، رغم قوتها، ستبقى غريبة عن هذه المنطقة، معزولة، مرفوضة من جسدها، عاجلًا أم آجلًا.
لا أريد أن أسوّق أملًا كاذبًا أيضًا فما أنا إلا عيون مهترئة وروح مثقوبة وفم مطبق، لعلّي للآن أرى العالم بغباش رمادي من خلال دموعي التي لم أعد أفرّق مصدرها بين رغبتي الدائمة بالبكاء أو شعوري باقتراب النهاية. هذه الدموع التي تؤكد أن شعورنا بالبؤس واللاجدوى لا ينفي استمرار القول والسعي والمُضي ضد الطغاة في سبيل الحرية.
نيسان 2026، بيروت
المنذر الدمني
العمل الفني للفنان السوري سعود العبدالله