
رؤية غير حقيقية عن الخراب
المنذر الدمني
الخراب، أصبح لغتنا البصرية الجمعية، عن جماليات الخراب أبحث اليوم، عن آلياته وأدواته ومستوياته، الخراب على صعيد الذات والمكان الذي أحدث وحدة خرابية معاصرة تتجاوز مبدأ الثنائيات الناقصة التي نعيشها اليوم.
الخراب... كل ما أراه اليوم هو الخراب، بجميع مستوياته المادية والنفسية
ذاكرة الخراب
ذاكرتي يومياً تتعرض للإذابة وتترك ورائها آثار الخراب التي لا تُمحى، لم أعد أذكر من تفاصيل والدي الراحل إلا رماد مكتبته المحترقة، ولم أعد أذكر من تفاصيل منزلنا القديم إلا حطام الغرفة الصغيرة. أمشي في ذاكرتي يومياً ولا أتذكر إلا الأطفال التي تلعب فوق الركام إذ تكرّست صورته في عيونهم كواقع لا يُستبدل، حتى غدا ما هو غير الخراب غريبًا، لا ينتمي إلى البديهي.
أشعر بالخراب وأنا في شوارع مدن تسمي نفسها اليوم المدن الناجية، أره في هذه الشوارع بطريقة أقوى وأوضح، أراه في عيون طفل مشرد يجلس أمام مجلس البرلمان الشعبي، أراه في حرّ المدينة وبردها، في غيومها وشمسها وازدحامها، أراه في العيون الميتة للناس قاطني المدن الناجية.
الموت، هو حاضن الخراب ومكرّسه، أموات نحن هنا، نجونا ولعلنا غير مدركين لهذا، غير مدركين إلا لحقيقة الموت الحتمية التي نحاول تأجيلها بمحاولات بائسة، نعيش اليوم هدوء الخراب بعد عاصفة الموت العشوائي الذي سيطر على شوارع هذه المدن وجعل من الموت حقيقة مطلقة مكسوة بالخراب، ليس حقيقة واقعة يجب التعامل معها.
عالم آخر
يتداخل وعيّ ولاوعيّ يومياً بتفاصيل الواقع المحطم، أفقد بصري، إحساسي ووجودي وأنتقل كنسمة صيف هادئة بلا وزن إلى عالم آخر، إلى عالم عبارة عن مقبرة كبيرة مدمرة محاطة بجدران كنسية متينة وسقف زجاجي ملون يعكس ألوانه على القبور المدمرة فيجعلها جميلة بشكل مربك لدرجة بأنني دائماً ما أستغرب هذا الجمال.
أمشي في هذه المقبرة بين هذه القبور المتهالكة، ويسيطر عليّ جلال المكان، ولا أستغرب كيف لهذه القبور أن تكون مدمرة داخل هكذا جدران متينة.
التواريخ على القبور غير واضحة، وعلى كل قبر هناك صورة قديمة لعائلة مشوهة الوجوه.
قبل وصولي إلى القبر الأخير تستوقفني مرآة كبيرة أرى نفسي بها بصورة غير واضحة أكاد أن أكون بلا ملامح، أرى بجانبي فتاة جميلة جداً تنظر إليّ بعيون واسعة وتقول لي
"اليوم أصبح المكان أجمل وأنا أنظر من هنا
اليوم قتلت أبي وأمي وضاعوا إخوتي بين المدن الراكدة
اليوم فقدت عذريتي مع المسافر المجهول، حيث الشغف والشهوة والخوف
اليوم زرت الوردة والربيع وكل التفاصيل البعيدة
اليوم، لن أشيخ، ولن يتحول شعري إلى الأبيض
أنا سعيدة... اليوم أنا سعيدة"
تختفي الفتاة، أغرم بها وأتابع الطريق باتجاه القبر الأخير، قبر الفتاة الذي يحمل صورتها الواضحة.
أسير تحت السقف الملون الذي يقودني إلى باب خشبي متهالك، محفورٌ عليه: «ادخل».
وأدخل…
كتب هذا النص عام 2021 خلال العمل على مسرحية "داخل" التي عُرضت في بيروت عام 2021
الصورة مأخوذة من عرض "ادخل" إخرج نادر عبد الحي - سينوغرافيا فارس خليف - دراماتورجيا المنذر الدمني